تحليل المدن

من الصحة العامة إلى حوكمة المدن: كيف تصبح الصحة جوهراً استراتيجياً للمدن العالمية

استنادًا إلى دراسات الحالة العالمية لمنظمة الصحة العالمية حول صحة المدن، تحليل كيفية تطور الصحة الحضرية من قضية طبية إلى استراتيجية حوكمة، لإعادة تشكيل القدرة التنافسية للمدن العالمية والمرونة طويلة الأمد.

الحجة الأساسية

هذا المقال يفسّر أحدث دراسات الحالة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن الصحة الحضرية، ويشير إلى أن الحوكمة الحضرية المنهجية، متعددة القطاعات، والمرتكزة على العدالة أصبحت نموذجًا جديدًا للتنمية الحضرية العالمية، وتؤثر بعمق في مسار تطور الحضارة الحضرية.

المدينة الحضرية في نقطة تحول. إذ يعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن، لم تعد المدن مجرد محركات للنمو الاقتصادي، بل أصبحت بشكل متزايد نقطة التقاء لعدم المساواة والتدهور البيئي وأزمات الصحة. تقليديًا، كانت صحة المدن تُصنف ضمن مسؤولية النظام الصحي، وكانت المؤشرات الأساسية لصنع القرار في المدن هي الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف وتطوير البنية التحتية، بينما كانت الصحة تُعتبر "نتيجة" وليست "شرطًا مسبقًا". ومع ذلك، فإن أحدث سلسلة من دراسات الحالة حول صحة المدن التي نشرتها منظمة الصحة العالمية تُظهر أن هذا المنطق ينعكس جذريًا - فقد بدأت مجموعة من المدن والحكومات حول العالم في دمج الصحة والإنصاف في صميم الاستراتيجيات الحضرية، وإعادة تعريف الإطار القراراتي للتخطيط الحضري والنقل والإسكان وتنمية المجتمعات.

العمل الاستراتيجي: صحة حضرية تتجاوز "الطبية"

دراسات الحالة التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية هذه المرة ليست مجرد ملخصات مشاريع معزولة، بل هي سردية استراتيجية متماسكة. وهي تستند إلى "الدليل الاستراتيجي لنهج الصحة الحضرية" ووثائق السياسات المصاحبة، والرسالة الأساسية هي: لجعل المدن أكثر صحة، لا يمكن الاعتماد على تدخلات صحية منفردة، بل يجب إعادة تشكيل منطق تشغيل الأنظمة الحضرية من خلال إجراءات منهجية عابرة للقطاعات وعبر المستويات. من مرصد صحة المدينة في بيلو هوريزونتي بالبرازيل، إلى الآلية الوطنية لتقييم الأثر الصحي في المملكة المتحدة، وصولًا إلى التدخلات التي يقودها المجتمع في المستوطنات غير الرسمية في بنغلاديش، تغطي الحالات طيفًا واسعًا من المستويات المحلية إلى الوطنية ومن البلدان ذات الدخل المرتفع إلى البلدان منخفضة الدخل.

إن تنوع هذه الحالات بحد ذاته ينقل رسالة أساسية: لا يوجد مسار وحيد نحو مدينة صحية. بعضها ينطلق من البيئة والتخطيط المكاني، مثل شبكة التخطيط الحضري والصحة في بريتاني بفرنسا؛ وبعضها يبدأ من النقل والتنقل، مثل مشاريع النقل النشط في منطقة البحر الكاريبي وخطة الحد من انبعاثات النقل في وارسو؛ وبعضها يستخدم الإسكان كأداة، مثل إعادة التأهيل السكني المشترك بين القطاعات للوقاية من السقوط لدى كبار السن؛ وبعضها يستعين بالأحداث الرياضية الكبرى، مثل استخدام قطر لكأس العالم 2022 لتعزيز أنماط الحياة الصحية. لكنها جميعًا تشترك في نفس الوعي الاستراتيجي: تجاوز الحدود المؤسسية، وتنسيق أصحاب المصلحة المختلفين، والسعي إلى تحقيق منافع مشتركة للصحة والإنصاف والاستدامة والمرونة مع التحديد المسبق للمخاطر المستقبلية.

الصحة كتجربة حوكمة: من بيلو هوريزونتي إلى أوتريخت

في بيلو هوريزونتي بالبرازيل، يُظهر العمل الرائد لمرصد صحة المدينة أن البيانات ليست مجرد أدوات مراقبة بل هي بنية تحتية للحوكمة. فمن خلال جمع وتحليل العلاقة بين الصحة والبيئة الحضرية بشكل منهجي، يساعد المرصد صناع القرار على دمج الأدلة الصحية في التخطيط الحضري وتقييم السياسات، مما يجعل الصحة ليست تطلعًا مجردًا بل هدفًا قابلًا للقياس والمساءلة. وبالمثل، في المملكة المتحدة، يوفر مشروع HAUS أدلة الأثر الصحي لتقييم واتخاذ القرارات على المستوى الوطني، ويدمج البعد الصحي في القرارات الكلية المتعلقة بالبنية التحتية والإسكان والتنمية الحضرية - وهذا علامة على إضفاء الطابع المؤسسي على تقييم الأثر الصحي.في أوتريخت بهولندا، يدمج فريق التخطيط الحضري الصحي (GLO) الاعتبارات الصحية في عمليات التخطيط الحضري اليومية، ليس كعنصر إضافي، بل كمنظور أساسي. وفي بنغلاديش، يعرض مشروعا BRAC وARISE منطقًا آخر: فسكان المستوطنات غير الرسمية ليسوا متلقين سلبيين، بل منتجين نشطين للمعرفة ومصممين للتدخلات. ومن خلال الإنتاج المشترك للتدخلات المجتمعية في مجالات المياه والصرف الصحي والنظافة العامة (WASH)، تربط هذه المشاريع الحوكمة التشاركية بتحسين الصحة بشكل مباشر. وتوضح هذه الحالات معًا «الطابع العملي» لاستراتيجيات الصحة الحضرية: فهي تتطلب تصميمًا مؤسسيًا من أعلى إلى أسفل، وفاعلية مجتمعية من أسفل إلى أعلى، وأيضًا معايرة مستمرة للبيانات والأدلة والتعاون بين القطاعات.

المدينة كفاعل جديد في الحوكمة العالمية

تكشف دراسات الحالة التي أجرتها منظمة الصحة العالمية حول صحة المدن، على مستوى أعمق، عن تطور بنية الحوكمة العالمية. لفترة طويلة، اعتُبرت المدن وحدات تابعة للحكومات الوطنية، وتفتقر إلى الاستقلال في صنع السياسات العالمية. لكن في السنوات الأخيرة، من تغير المناخ إلى العدالة الاجتماعية، تبرز المدن بشكل متزايد كفاعلين عالميين، وتتحمل مسؤوليات الحوكمة بنشاط عندما تغيب الإجراءات الوطنية أو تتأخر. وتُظهر هذه الحالات الصحية أن المدن لا تملك القدرة فحسب، بل تملك أيضًا الشرعية لصياغة استراتيجياتها الصحية الخاصة والمشاركة في شبكات تبادل المعرفة العالمية.

إن صعود «الدبلوماسية الحضرية» يعني أن نموذج الحوكمة التقليدي المتمحور حول الدولة يُستكمل أو حتى يُتحدى من خلال نظام حوكمة جديد متعدد المستويات وشبكي. وباعتبار الصحة الحضرية قضية، فهي بالتحديد المجال الذي يجسد فيه هذا التحول على أفضل وجه: فالمشكلات الصحية غالبًا ما تظهر على المستوى المحلي، بينما تتطلب حلولها تقاسمًا عالميًا للمعرفة. والدور الذي تلعبه منظمة الصحة العالمية هنا لا يقتصر على إصدار المبادئ التوجيهية، بل يمتد إلى بناء شبكة عالمية للتعلم في مجال الصحة الحضرية، بحيث يمكن لتجربة بيلو هوريزونتي أن تلهم نيروبي، ولممارسات أوتريخت أن تحفز كلكتا.

الاتجاهات طويلة الأجل: الصحة بُعد جديد للتنافسية الحضرية

من منظور الاتجاهات طويلة الأجل الأوسع، أصبحت الصحة بُعدًا جديدًا لقياس التنافسية الحضرية. فالطقس المتطرف الناجم عن تغير المناخ، وهشاشة الصحة العامة التي كشفت عنها الجائحة، وعبء الأمراض المزمنة الناتج عن شيخوخة السكان، كلها عوامل تجعل مرونة المدينة الصحية شرطًا مهمًا لجذب الاستثمار والمواهب والابتكار. ولم يعد التخطيط الحضري مجرد مسألة تقنية لاستخدام الأراضي، بل أصبح عقدًا اجتماعيًا يتعلق برفاهية السكان والشمول الاجتماعي والاستدامة البيئية.

يستحق صعود مدن الجنوب العالمي اهتمامًا خاصًا. ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، غالبًا ما يصاحب التحضر السريع توسع المستوطنات غير الرسمية وتأخر البنية التحتية. ومع ذلك، تُظهر حالات منظمة الصحة العالمية أن هذه المدن ليست مجرد تجمع للمشكلات، بل هي أيضًا مختبرات للابتكار والمرونة. ففي حي ماساري غير الرسمي في نيروبي بكينيا، نفذ السكان نظام عناوين مادية بأنفسهم لتحسين الوصول إلى الخدمات؛ وفي مدينة أشيمان بغانا، استُكشف التعاون بين القطاعات لتحسين الصحة؛ وفي مدينة بوخارا بنيبال، تم تعزيز إدارة الأمراض غير السارية من خلال دمج الخدمات الصحية العامة والخاصة. هذه الممارسات تكسر الصورة النمطية القائلة بأن «مدن الجنوب لا يمكنها إلا محاكاة الشمال»، وتثبت أن الاستراتيجيات الصحية يجب أن تكون متجذرة في السياق المحلي.## الخلاصة: الحضارة الحضرية تحتاج إلى بوصلة استراتيجية جديدة

بالنظر إلى المستقبل، تمر الحضارة الحضرية بعملية تصحيح ذاتي عميقة. لقد جعل تحضر القرن العشرين النمو الاقتصادي على رأس أولوياته، فحقق تراكم الثروات، لكنه ولّد أيضًا التفاوت الصحي والاستنزاف البيئي. أما تحضر القرن الحادي والعشرين، فيحتاج إلى إعادة معايرة اتجاه التقدم بين الصحة والإنصاف والاستدامة. وتوفّر دراسات الحالة هذه لمنظمة الصحة العالمية "خريطة معرفية" ثمينة للمدن في جميع أنحاء العالم — فهي لا تُظهر فقط جدوى العمل المنهجي، بل تذكّر أيضًا بأن الصحة الحضرية ليست مشروعًا مؤقتًا، بل هي تحول جوهري في الحوكمة.

بالنسبة لصانعي السياسات ومخططي المدن والمؤسسات الإنمائية العالمية، أصبح التحدي واضحًا: إدماج الصحة في كل قرار، ووضع الإنصاف في صميم كل استراتيجية. وهذا ليس إصلاحًا تقنيًا، بل هو تحول نموذجي في منطق الحوكمة الحضرية. فالمدن ليست مجرد أوعية مكانية للحضارة، بل هي أيضًا محكّ للمصير الإنساني المشترك. وحين تبدأ المدن فعليًا في إعطاء الأولوية لصحة الإنسان وكرامته في كل قرار يتعلق بالتنفس والتنقل والسكن والانتماء، عندها فقط تكون الحضارة الحضرية قد دخلت مرحلة جديدة.

حدود القراءة · Global City Review

تضع Global City Review هذه الملاحظة ضمن ندرس العلاقة البنيوية بين حوكمة المدن والتنافسية الإقليمية والاستثمار العام والمرونة الاجتماعية، مع إسناد ك.... ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ افتتاحية / تحليل حضري / رؤية إقليمية يوضح الزاوية التحريرية المحلية (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص).

المصادر

روابط المصادر

  1. https://www.who.int/teams/social-determinants-of-health/urban-health/strategic-approach/case-studies