افتتاحية

عندما لا يمكن قراءة المدينة: أزمة تسمية الشوارع في صنعاء وتفكك سلطة الدولة

فوضى تسمية الشوارع في العاصمة اليمنية صنعاء ليست مجرد خلل بلدي، بل تعكس غياباً عميقاً للسلطة الوطنية في الفضاء. تتناول هذه المقالة، من منظور المدن العالمية، الصراع البنيوي بين سلطة التسمية والذاكرة المجتمعية والقدرة الوطنية.

الحجة الأساسية

تستند هذه المقالة إلى تعليق صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي حول فوضى تسمية الشوارع في صنعاء، لإعادة بناء الإطار التحليلي. من خلال نظريات بيير بورديو وجيمس سكوت، تُكشف الصراع الرمزي بين رغبة الدولة في جعل المدينة "قابلة للقراءة" وبين تمسك المجتمع المحلي بالتسميات غير الرسمية. لقد أدى النزاع المطول إلى إغراق صنعاء في فراغ حوكمي "غير قابل للقراءة"، مما زاد من تهميشها في المنافسة الرقمية العالمية للمدن. وتُبرز محنة صنعاء تحذيرًا مهمًا: التحديث الحضري يجب أن يوازن بين القدرات الوطنية والمعرفة المحلية، وإلا ستستمر فوضى التسميات في تآكل أمن المواطنين وشرعية الدولة.

في المشهد العالمي، تُعد المدن أسمى إبداعات الحضارة الإنسانية، وأكثر منصات عرض السلطة الوطنية وضوحًا. من جادات باريس إلى شوارع سنغافورة الرقمية، تُعد قدرة المدينة الحديثة على أن تُبحَر بدقة أساسًا لاندماجها في الشبكة الاقتصادية العالمية. ومع ذلك، في صنعاء، عاصمة اليمن، وهي واحدة من أقدم مدن العالم التي يعود تاريخها إلى ألفي عام، تظهر حالة مكانية شاذة: أسماء الشوارع مضطربة، والمعالم تحل محل أرقام المنازل، ويعتمد السكان على الإشارات الشفهية وذاكرة مجزأة. هذه القضية البلدية التي تبدو تافهة هي في الواقع إسقاط عميق للأزمة الوطنية على المستوى المكاني.

محنة صنعاء لم تكن وليدة يوم واحد. فبعد قيام النظام الجمهوري عام 1962، تدفقت أعداد كبيرة من سكان الريف إلى المدينة، مما جعل صنعاء تتوسع بسرعة لتصبح بوتقة للثقافات المتعددة. لكن الاضطرابات السياسية الطويلة والحروب وانهيار مؤسسات الدولة جعلت التخطيط العمراني حبرًا على ورق. وبالمقارنة مع عواصم عربية أخرى مثل القاهرة وبيروت، لم تتمكن صنعاء من إنشاء نظام موحد للعناوين. ففي القاهرة، وحتى في بيروت، رغم التعقيدات التاريخية، أنجزت الدولة على الأقل درجة معينة من "الوضوح المكاني". أما صنعاء، فقد بقيت تمامًا في نظام تسمية شفهي يعتمد على الذاكرة الجماعية. فمحاولًا للوصول إلى قاعة أفراح، لا يجد أحد سكان صنعاء أمامه سوى الاعتماد على أوصاف شائعة مثل "قرب الكلية الحربية" و"بجانب المبنى الأحمر" للاهتداء. سائقو سيارات الأجرة يرفضون طلبات التوصيل ليلًا لأنهم لا يجدون عنوان المكان، فالأمر لا يضيّع الوقت والوقود فحسب، بل قد يهدد الحياة أيضًا. وتتأخر خدمات الطوارئ بسبب صعوبة تحديد المواقع، لتصبح قاتلًا خفيًا في الحياة اليومية للمدينة.

هذه الفوضى المكانية ليست مجرد إهمال إداري، بل هي عرَض لعلاقة القوة بين الدولة والمدينة. اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عملية التسمية صراعًا على "رأس المال الرمزي"، فالدولة تُظهر سلطتها عبر إطلاق أسماء رسمية على الشوارع وتنقش فيها مبادئها السياسية. أما عالم السياسة الأمريكي جيمس سكوت، فقد أوضح في كتابه «منظور الدولة» أن نظام التسمية الموحد هو استراتيجية تجعل الدولة المجتمع "مقروءًا" لتسهيل جمع الضرائب والتجنيد والحكم. أما التسمية الشعبية فتحمل المعرفة المحلية والذاكرة التاريخية والهوية الجماعية. وعندما لا تستطيع دولة توحيد أسماء الشوارع، ولا حتى تعليق لافتات في زوايا الطرق، فهذا يرمز إلى فقدانها القدرة على تحويل الفضاء إلى "إقليم". وكما يقول سكوت، فإن هذه الحالة من "عدم المقروئية" في حد ذاتها شكل من أشكال المقاومة الصامتة — إذ يرفض المجتمع، بطرق غير رسمية، السردية الأحادية للدولة.صنعاء هي بالضبط المرآة النموذجية لهذه المدينة "غير المقروءة". الأسماء الرسمية والألقاب الشعبية تتعايش وتتعارض، لافتات الشوارع مفقودة، والتنقل يعتمد على شبكات العلاقات الإنسانية المتوارثة شفهيًا. هذا لا يعيق الحركة اليومية فحسب، بل يهمّش صنعاء في النظام العالمي للمدن. لقد تحول جوهر المنافسة الحضرية المعاصرة من ارتفاع ناطحات السحاب إلى دقة الاتصال بالبيانات والبنية التحتية. بدون عناوين موحدة، لا تغطي الخرائط الرقمية المنطقة، وتتعذر فعالية الخدمات اللوجستية والتوصيل السريع وخدمات الطوارئ وحتى المساعدات الدولية. في عصر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، ستُهجر المدينة التي تفتقر إلى نظام إحداثيات "قابل للقراءة" من الخدمات الآلية. تواجه العديد من مدن ما بعد النزاع في الجنوب العالمي مصاعب مماثلة، لكن خصوصية صنعاء تكمن في أنها تمتلك حيًا تاريخيًا قديمًا متكاملًا، ومع ذلك لم تستطع تحويل هذا الإرث التاريخي إلى أصل في إدارة الفضاء الحديثة.

على المدى الطويل، تشير أزمة التسمية في صنعاء إلى تغيير هيكلي أعمق: تحتاج الدولة إلى استعادة شرعيتها في الفضاء الحضري، ويحتاج المواطنون إلى استخلاص النظام من الحكمة غير الرسمية. لقد حذّر سكوت من أن تطبيق التقييس الحديث بشكل أعمى قد يدمر المرونة الاجتماعية، لكن الترك الكامل قد يوقع المدينة في شلل وظيفي. ربما تحتاج صنعاء إلى "توضيح حواري" يمزج المعرفة الشعبية بالترميز الرسمي في نظام مزدوج، ويستخلص عناصر من الأسماء الجغرافية التاريخية، بما يمكن الدولة من إدارتها ويقبله المجتمع المحلي. وهذا يتطلب إعادة بناء الدولة، بل ويتطلب حلًا سياسيًا أكثر.

في سياق الأجندة الحضرية العالمية الأوسع، تذكّرنا صنعاء بأن المدينة ليست أبدًا حاوية جغرافية سلبية، بل مجال عمل مشحون بالتوترات السياسية. عندما تغيب الدولة، تظل الشوارع حاملة للذاكرة، تسجّل بصمت صراع السلطة والمقاومة. شوارع صنعاء هي دليل فشل الدولة اليمنية، وشهادة على حيوية حضارتها. مستقبل التسمية يتعلق بما إذا كان هذا البلد يستطيع أن يجد مجددًا طريقة للمصالحة مع تاريخه. في يومنا هذا الذي تعيد فيه العولمة تشكيل كل شيء، تحتاج كل مدينة إلى العثور على قواعدها النحوية "القابلة للقراءة"، وإلا فسوف تختفي بهدوء من خريطة العالم.

حدود القراءة · Global City Review

تضع Global City Review هذه الملاحظة ضمن ندرس العلاقة البنيوية بين حوكمة المدن والتنافسية الإقليمية والاستثمار العام والمرونة الاجتماعية، مع إسناد ك.... ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ افتتاحية / تحليل حضري / رؤية إقليمية يوضح الزاوية التحريرية المحلية (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص).

المصادر

روابط المصادر

  1. https://carnegieendowment.org/sada/2025/07/sanaa-the-crisis-of-chaotic-street-naming-and-absent-urban-planning